تويتر
فيسبوك
انستقرام
يوتيوب
Rss

نص خطبة:العلم والعلماء نظرة وإسقاط " الخال المقدس السيد ناصر نموذجًا"

الجمعة 1440/10/3هـ - 2019/6/7م
نص خطبة:العلم والعلماء نظرة وإسقاط " الخال المقدس السيد ناصر نموذجًا"
  • 2020-03-06 07:03 AM
  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد التعليقات 0
  • -
    +

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف أنبيائه ورسله حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وآله الطاهرين. ثم اللَّعن الدَّائمُ المؤبَّد على أعدائهم أعداء الدين.

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾([1]).

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح، واجعل نيتنا خالصةً لوجهك الكريم، يا رب العالمين.

منزلة العلم في الشريعة والواقع:

قال سبحانه وتعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمَاً﴾([2])، وفي الحديث الشريف: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»([3]). وفي حديث آخر: «من خرج يطلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع»([4]).  

ومما أوصى به الإمام الحسين (ع) ابنه أنه قال: «يا بني، إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول»([5]).

كان العلم وما زال، واحداً من ضروريات الحياة، وأحد أهم مقوماتها الأساسية، وعلى أساسه بنت الأمم الحضارات، ونُسبت لها. وموروث الأنبياء من ذلك المعين الصافي. وهذا الموروث تولى أمره العلماء لأنهم ورثة الأنبياء. والإسلام أولى العلم اهتماماً منقطع النظير، وأعطى للعلماء مقاماً رفيعاً سامياً في المساحات كلها. والعلوم عناوين متعددة، اختلفت الأمم في ترتيب الأولويات فيما بينها، فمنها من جعل الإيمان والتدين والعبادات هي الأساس في ذلك، وفرعت عنها بقية العلوم، ومنها من فعل العكس.

فهل أن العلم صنيعة الدين؟ أو أن الدين صنيعة العلم؟ خلافٌ لم يتم الاتفاق عليه حتى يومنا هذا، وكلٌّ يدعي وصلاً بليلى. غير أن الأمور لم تبق ضمن هذه الحدود حتى تجاوزتها فولجت في دائرة الصراعات، مما جرّ على المسلمين وابلاً من الأخطار، وترتبت عليه آثار التخلف التي يعيشها المسلمون اليوم، إن لم يكونوا عاشوها في جميع حقب التاريخ.

والإسلام حذر من ضياع القواعد الأساسية والمبادئ التي وضعها، لأنها تمثل نظرة السماء، فأصول المعتقد في الدين عبارة عن تلك الأمور العامة التي يستنطقها ويستظهرها العقل السليم، الذي لم تطرأ عليه عوامل التعرية وغيرها.

فالعلوم الاجتماعية اليوم لها قدم راسخة وآثار بينة، والإسلام أعطاها مساحتها من القرآن الكريم. ولكن، هل انتبهنا لهذا الأمر؟ وهل حاولنا أن نستثيره في وجداننا وواقعنا وأن نرتب آثاراً عليه؟ أم هي آيات نقرأها ونمر عليها مرور الكرام كما هو الظاهر، بدليل أن علم الاجتماع الذي وضعت قواعده على أيدي علماء المسلمين قبل قرون، أصبح علماً يُخشى منه، لأنه يلامس بعض الحقائق التي إذا ما تم تحريكها قلبت العرش على أصحابه. فكل من يرسم له نهجاً في الحياة مراده في نهاية المطاف أن يصل إلى ما خطط له. فعلم الاجتماع يضع يده على أصل القواعد ويهتم بالمبادئ، ويلغي حدّ الشخصنة. لذلك نجد مثل الدكتور علي الوردي رحمه الله، وغيره ممن كان لعلم الاجتماع حظوة في نفوسهم، وطوروه أكاديمياً، وحاولوا أن يحلحلوا الأوضاع في مجتمعاتهم، أنهم حوربوا ونُبذوا في مجتمعاتهم، بل حتى نعتوا بالكثير من النعوت التي يقبح التصريح بها.

فلما غاب هذا العلم من وسط الأمة، بدأت الأمة تتخبط، وشافت على أن تنعى نفسها لولا اللطف الإلهي قبل عقود أربعة.

لقد أولى الإسلام اهتماماً منقطع النظير للعلم والعلماء، فما هو حال العلم في أوساطنا؟ وما هو حال العلماء كذلك؟ فهل يحظى العلم بما دفعت الشريعة باتجاهه؟ وهل نهض العلماء بمسؤولياتهم كما كلفوا من قبل الله تعالى، وانتدبهم باتجاهه الحبيب المصطفى محمد (ص) ؟

والعلم الثاني هو علم الرياضيات، فهذا العلم له أصوله المنطقية، والآثار المترتبة عليه تشمل أكثر مناطق التحضر عند الأمم، فالحسابات لها دخل في نظم ذواتنا، ونظم الأمور المضافة لنا ومن حولنا، بل وهي التي تجسّر ما ينبغي أن يكون، وما لا ينبغي أن يكون مع الآخرين. فهل أن هذا العلم يحظى بمساحته الكافية؟ ويترك بصمته في مواطن عدة؟ أم أنه علمٌ لا نصل إليه إلا عند الحاجة بغية تيسير مسارٍ للقمة عيش هانئة في أحسن الظروف؟.

إن هذا العلم هو أساس العلوم المستحدثة، ولولاه لما قفزت البشرية هذه القفزة النوعية في عيشها ونظم حياتها وترتيب أوراقها.

ففي المنطق تُضبط المساحات والمسافات في الوقت نفسه، من خلال ما يقدم لنا من تفسير لصغرى القضايا ناهيك عن كبراها، التي أظن أن الأمة باتت في منأى عن الاقتراب من حدودها.

ثم علم الأحياء، والعلوم الطبيعية، هذا العلم الذي حظي بعناية من الإمام الصادق (ع) وسار على هذا الأمر جمع من علماء المسلمين من الفريقين، وطوروه، وتقدموا به، رغم أن المجاهر لم تكن تؤمّن لهم دقائق الأمور، إنما تحركوا في عموميات هذه المساحة، ودارت رحى الكيمياء والفيزياء، وتشكلت أصول مدرسة سامقة، إلا أن الأمة اليوم كما ترون.

ثم العلوم الشرعية بكل فنونها، من تفسير وفقه وحديث وغيرها، وهي العلوم المضافة إلى الدين بحسب الشائع، ولكن هل من الصحيح أن نضيف هذه المفردة لتلك بالمطلق؟ أو نرفضها بالمطلق؟ أما آن الأوان أن نقوم بدور التفريق بين ما ينبغي أن يضاف وما لا ينبغي أن يضاف؟

أيها الأحبة: إذا لم نفصل بين الأمور في جميع مجريات حياتنا، فلن نستطيع أن نرتب الأولويات، ولا نستطيع أن ننتقل من مربع إلى آخر، وهنا يكمن الخلل الذي وقعت فيه الأمة. لذلك تقدم خصومها، وأبت إلا أن تكون في ذيل القائمة.

والعلوم الشرعية جوهرة بين سائر العلوم، لأنها توفر الضابطة لسائر العلوم وتشدها للمطلق، وهذا أمر مهم، والكلام فيه طويل، تطرقت إليه في خطب استمرت ما لا يقل عن سنة كاملة لتوضيح مناط القضية.

ذكرى رحيل السيد ناصر السلمان:

في مثل هذا اليوم ارتحل إلى الرفيق الأعلى رمز من رموز هذه البلاد، وعلم من أعلامها، ألا وهو الخال المقدس السيد ناصر السلمان رحمه الله. وهذا السيد الجليل ولد سنة 1290 هـ ، وقيل: سنة 1291 هـ . وتوفي سنة 1358 هـ أي أن عمره الشريف هو 67 تقريباً.

تتلمذ في بداية حياته ـ كغيره من الأعلام ـ على يد والده المقدس الجدّ السيد هاشم السلمان، الذي كانت له مرجعية حققت امتداداً إلى مواقع عدة، ورجع إليه جمع من أهل الأحساء والقطيف والبحرين والبصرة والأهواز وأطرافها. وكانت شخصيته كبيرة ومعروفة وترجم له الكثير من أعلام الترجمة من علماء الطائفة، وتوفي سنة 1309 هـ ، وقبره في مقبرة الشعبة، وهو أول عالم دفن فيها، ثم دفن بعد ذلك كوكبة من الأعلام من حوله.

أساتذته في النجف الأشرف:

وبعد أن أتم الخال المقدس السيد ناصر السلمان المقدمات وشطراً من السطوح الأولى على يد والده، تتلمذ على أيدي أساطين الأصول والفقاهة في النجف الأشرف، وهو دون العشرين من العمر.

من أساتذته العلامة الكبير إمام الأهواز، السيد عدنان الموسوي رحمه الله، ومن أساتذته في النجف الأشرف الشيخ محمد طه نجف، وهو أحد رموز العلم والفقاهة، ومن أرباب السير والسلوك أيضاً، ويعتبر مفردة مميزة من بين علماء النجف الأشرف، وإن كانت الأضواء لم تسلط عليه شأنه شأن الكثير من العلماء.

ومن أساتذته أيضاً: شيخ الشريعة الإصفهاني رحمه الله، الذي أجاز للكثير من علمائنا بالاجتهاد، والخال المقدس ممن حظي بإجازة منه كما سوف يأتي. ومنهم الآخوند الخراساني رحمه الله، وغير هؤلاء.

بعد هذه المسيرة المباركة حصل على غرضه وبغيته، فالعلماء في ذلك الزمن عندما يسلكون هذا السبيل بهممهم العالية، فإن هدفهم هو بلوغ مقام الاجتهاد، أما في هذا الزمن فتغيرت الأمور وتبدلت الأحوال.

وقد أجيز الخال المقدس من رموز الإجازة وأساتذتها، كالمولى المازندراني، والأغا ضياء الدين العراقي إمام الأصول، أستاذ السيد الخوئي. كما أجيز من السيد أبي تراب الخوانساري. وهؤلاء الأعلام أجازوا للكثيرين، وكل منهم يمثل قطب رحى في الحوزة العلمية في النجف الأشرف.

أما اليوم، فالإجازة الخطية تكاد تكون نادرة، لأسباب وأسباب. ولكن قد يسأل سائل في هذا الصدد فيقول: هل يتوقف الاجتهاد على أن تكون هناك ورقة بيد المجتهد تشهد له بذلك؟ أو لا؟ الجواب: أنه لا يحتاج، فالاجتهاد حالة وجدانية يستشعرها المرء في داخله من خلال إسقاط الأصول على فروعها في الخارج. ولكن الإجازة الخطية تعطي أمارات ومؤشرات على أمور معينة، منها مثلاً تحصيل الاطمئنان ليس إلا. أو لدفع وساوس الشيطان، فقد تكون الحالة الواجدانية التي ذكرناها هي حالة من الوسوسة الشيطانية، وليست حالة واقعية تعني الإمساك فعلاً بأسباب الاجتهاد.

وبعضهم قد يراها دليلاً للعامة، فالناس عندما تسمع أن فلاناً مجتهد قد تسأل: هل لديه ما يدل على اجتهاده؟ فالمتبادر للذهن أولاً هي الإجازة، وإلا فكيف يُثبت أن لديه من يشهد له بذلك أو ما يدل على اجتهاده؟ خصوصاً إذا لم يكن قد تصدى للتدريس، أو لم يترك وراءه مؤلفاً يدل على أنه من أهل النظر والرأي والفتيا. حينئذٍ يكون للإجازة قيمتها وأهميتها. وهنالك أسباب أخرى قد تؤخذ بنظر الاعتبار. ولكن الأصل أن الإجازة ليست شرطاً في الاجتهاد.

مرجع للأحساء:

في سنة 1336 هـ وبعد أن حصل على تلك الإجازات، عاد إلى الأحساء بعد مراسلات وإلحاح من أهل الأحساء عليه بالعودة والتصدي، فلم يفرض نفسه عليهم ابتداءً. خصوصاً أن الأحساء في تلك الفترة كانت تمر في ظروف غير طبيعية أسوة بالمناطق الأخرى في المملكة قبل أن يتم توحيدها.

عاد الخال المقدس إلى الأحساء، فرجعت إليه في التقليد، وكانت مرجعيته أوسع من مرجعية والده، فهي المرجعية الوحيدة التي استطاعت أن تفرض وجودها في داخل النجف أولاً، وهو ما لم يلتفت إليه الكثير من الناس. وكان السيد أبو الحسن الإصفهاني رحمه الله، هو مرجع الطائفة آنذاك، وكانت مرجعيته متزامنة مع مرجعية الخال المقدس رضوان الله عليه، وكان يكن له احتراماً منقطع النظير، بحيث أن السيد الخال إذا اجتاز في مورد يتوقف السيد أبو الحسن فيقول: لو كنتم تعلمون من هذا السيد الذي اجتاز من هنا!

إن هذه الوقائع مما يزرع النشوة والفخر في داخلنا نحن أبناء هذه المنطقة التي كان سيدها في يوم من الأيام.

تلامذته:

لقد تتلمذ على يديه جماعة من رموز ووجوه الطائفة والمنطقة، وقبل ذلك تتلمذ على يديه الكثير من العلماء لا سيما من البيوت الرفيعة، كبيت آل كاشف الغطاء مثلاً، الذين التفوا حوله وتتلمذوا على يديه.

فمن تلامذته: السيد محمد باقر الشخص رحمه الله، وهو في مقام المرجعية أيضاً، ولو أنصفته الأحساء آنذاك وراسلته كما راسلت أستاذه الخال المقدس لآلت إليه الأمور، لكنهم لم يفعلوا ذلك للأسف، حال أنه تخرج على يديه الكثير من أقطاب الطائفة، ومنهم الإمام الشهيد الصدر رضوان الله عليه.

ومن تلامذته أيضاً الميرزا محسن الفضلي، والد الشيخ عبد الهادي الفضلي رحمة الله عليه، وهو من المجتهدين المسلَّم باجتهادهم، وهو من العظماء أيضاً، إلا أنه لم يحصل على المقام الذي يستحقه، بل إنه كان إذا نزل إلى الأحساء كان أشبه بالمتخفي، وهذه واحدة من المصائب التي نعيشها.

ومن تلامذة الخال المقدس الشيخ حسين الصحّاف، والشيخ كاظم، رحمهما الله، وكذلك العم الشيخ حسين الخليفة، رحمهم الله جميعاً. لأن السيد الخال المقدس خال الشيخ حسين الخليفة رحمه الله.

ومن تلامذته أيضاً الجد السيد محمد رحمه الله تعالى وهو ابن أخته، وتتلمذ عليه، وتولى شؤون التدريس له، وكانت له خصوصية لديه. وسوف أتطرق يوماً إلى حياة الجد السيد محمد، الذي أرى أنه من علماء المنطقة المنسيين، الذين لم يُعطَوا أقل اهتمام.

بحوثه:

لقد بدأ الخال السيد ناصر بدأ الكثير من المحاولات في كتابة البحوث العلمية، إلا أنه كان يبدأ البحث ثم يرفع يده عن إكماله، وربما يقع ذلك للكثير من رجال الدين اليوم، إذ يبدأون البحث ثم يتركونه لأسباب كثيرة.

منها مثلاً: أن البعض يرى أن نشر بحوثه خلاف التقوى والورع! وسوف نناقش هذه القضية يوماً، ونبين هل أن حجب العلم يعني التقوى والورع؟ ولماذا لا يكون العكس، أي أن يكون نشره هو الذي يعني التقوى والورع؟ وهل أن العلماء الذين قدموا النظريات والأصول والقواعد وما إلى ذلك، لا يمتلكون رصيداً من التقوى كما يمتلك غيرهم؟ هذا الكلام غير مقبول، بل يرفضه من لديه أدنى مستوى من الفهم للتقوى.

ومنها: الأوضاع الأمنية، خصوصاً إذا ما تعرض المؤلف لمطلب عقدي، كإيمان أبي طالب مثلاً في ذلك الزمن، الذي كانت له ضرائبه، أما اليوم فقد أصبح المناخ أفضل بكثير مما كنا عليه، ونحمد الله سبحانه ونتمنى الأفضل. فاليوم يستطيع المرء أن يصرح بوجهة نظره شريطة أن يحترم الآخر، فبإمكانك أن تكتب ما تشاء عن الرمز الذي تعتقد به، ولكن احترم رمز الآخر، فأنت لست مسؤولاً عن فلان وفلان، إنما يعنيك أن تكتب عمن يعنيك أمره. فلا مبرر للسعي خلف الآخرين والبحث عن ثغراتهم، والأجدر بك أن تبقى في مساحة الجماليات.

فالوضع الأمني في زمن الخال المقدس لم يكن بالشكل المطلوب، فربما يكون قد شكل عائقاً أمام إكمال بحوثه المتعددة. نعم، لديه رسالة في إمامة إسماعيل ابن الإمام الصادق (ع).

ومنها: العامل الاقتصادي، فبعض العلماء كان يكتب وليست لديه الموارد المالية، أما اليوم فالجانب الأمني ارتفع، والجانب الاقتصادي كذلك، وأصبح بمقدور الإنسان أن يكتب ويطبع ويوزع، والطباعة الإلكترونية اليوم ساعدت على توفير الكثير من الموارد المالية.

والأمر الآخر الذي أعتقده وأركن إليه هو الهزيمة النفسية التي غُرست في بعضنا. فقد غرسنا في أنفسنا روح الانهزام أمام الآخر. فإما أن يكون الكاتب إيرانياً و عراقياً أو لبنانياً أو بحرانياً أو غيره، أو أنْ لا أقرأ لمن كان من الأحساء. مع أن الأحساء رفعة وكرامة وعزة، بعلمائها وأهلها، فماذا لا نعتز بهذا المكون؟. وقد كان الشيخ الأوحد لا يُذيِّل اسمه إلا بهذا اللقب، وهو الذي وطأ بساط أكبر دولة عرفها الشرق، لكنه رغم ذلك كان يصر على هذا اللقب ويعتز به.

هذه الهزيمة النفسية ينبغي أن نتفلت منها، وأن نتجاوزها، ويكفي ما دفعناه من ضرائب بسببها.

والمنشأ الأول لهذه الهزيمة هو الخوف من النقد، ولكن لا مبرر لهذا الخوف، فما لم تُنقد لا يمكن أن تتطور، لا في أدبك ولا علمك ولا فنك ولا في جميع مسارات حياتك، وعليك أن تقبل النقد والانفتاح على الناقدين، كي تتطور.  

أما المنشأ الثاني فهو الخوف من المقارنة مع الآخر، وهذا أيضاً لا مبرر له، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه، فعليك أن تكتب على قدر نفسك، وأن تعرف أنّ هناك من هو أرفع قدراً منك، وأن تحتفظ له بهذا الحق، وعليه هو أيضاً أن يحتفظ لك بحقك بأن تسير في الطريق نفسه للوصول إلى الهدف.

والمنشأ الثالث هو البيئة التي يعيشها الإنسان، فالبيئة أحياناً تكون غير مشجعة على طرح المنتج العلمي والأدبي والثقافي والفني وغيره، فقد يُتهم صاحبها بالعُجب والغرور. مع أننا لسنا مسؤولين عن هذه الدوافع، إنما يعنينا إنتاجه وإبداعه، ولو كان له إبداع وتميز يستحق الفخر فليفخر بنفسه، ولا يضرنا ذلك.

مرجعية السيد ناصر:

لقد حاول السيد ناصر المقدس جاهداً أن لا تخرج المرجعية من الأحساء، وهيأ لها الأسباب وأرجع مقلديه في المسائل الاحتياطية التي كثيراً ما صبغت فتاواه لشدة تقواه وورعه ـ مع تحفظ مني على هذا العامل في الاحتياط ـ إلى الشيخ حبيب بن قرين، وهو الرجل العظيم المنسي أيضاً.

فالشيخ حبيب بن قرين يقول عنه الشيخ المجدد محمد حسين كاشف الغطاء رحمه الله تعالى: والله، لو قدموا حظهم لقدموك. وللأسف لم يعرفه أحد حتى أرجع إليه السيد ناصر المقدس في المسائل الشرعية. وكان بمقدور الأحساء أيضاً بعد وفاة الشيخ القرين أن ترجع إلى آية الله السيد محمد علي القاضي السلمان، ولكن أديرت الأمور باتجاه آخر، وهو ما يحتاج إلى شرح طويل.

والسؤال الجدير بالطرح: لماذا أفل نجمنا اليوم كمسلمين؟ ولماذا أصبحنا هكذا؟ هل لغياب الوعي فعلاً؟ أم أنها حالة من التغييب؟ أم هل غرس الأعداء روح الهزيمة في داخلنا فاستسلمنا؟ أم أن العقول المبدعة تم استلابها؟      

وأما في دائرتنا الضيقة فأقول: أما آن الأوان أن نرفع أيدينا عن الخلافات، وأن ندير ظهورنا لها؟ وأن نستقبل ما هو أهم؟ فهنالك الكثير من الأمور تنتظرنا، إذا لم نهيئ الأسباب لها ونكون على مستوى المسؤولية، فعلى كل واحد منا أن يهيئ لنفسه ما ينبغي أن يُهيَّأ لمن يغادرون هذا العالم.

نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم التوفيق، والحمد لله رب العالمين.  

 

 

([1]) طه: 25 ـ 28.([2]) طه: 114. ([3]) كنز الفوائد، الكراجكي2: 108. ([4]) منية المريد، الشهيد الثاني: 101. ([5]) مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس2: 251.
تعليقات الزوار