تويتر
فيسبوك
انستقرام
يوتيوب
Rss

نص خطبة: بغداد مدينة السلام وحاضرة العلم والأدب في عصرها الذهبي

الجمعة 16 / 6 / 1440 هـ - 2019/2/22م
نص خطبة: بغداد مدينة السلام وحاضرة العلم والأدب في عصرها الذهبي
  • 2019-03-23 11:03 AM
  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد التعليقات 0
  • -
    +

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف أنبيائه ورسله حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وآله الطاهرين. ثم اللَّعن الدَّائمُ المؤبَّد على أعدائهم أعداء الدين.

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾([1]).

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح، واجعل نيتنا خالصةً لوجهك الكريم، يا رب العالمين.

في الحديث عن الإمام الصادق (ع): «أثقلُ ما يوضعُ في الميزان يومَ القيامة الصلاةُ على‏ محمدٍ وعلى أهل بيته»([2]).

بغداد مدينة السلام:

كان الكلام قبل ما يربو على شهر من الزمن حول المواقع الهامة التي احتضنت بين جنباتها المقارّ العلمية الكبرى، كالحوزات والجوامع والمدارس. وانتهى بنا المقام عند بغداد، مدينة السلام، المدينة التي أخذت رشدها في العصر العباسي، وتقدمت على سائر البلدان من حولها في مسارات العلم، والمستنصرية شاهدٌ واضح وبين على ما كان عليه الوضع في تلك المدينة من تقدم علمي ترتَّب عليه ارتقاءٌ حضاري من نوع خاص. وقد أعطى الاستقرار السياسي والأمني في بغداد مساحةً كافية لإحداث حالة التطور واستتباع النقلة الكبرى في وسط الحواضر الإسلامية.

وهذا التطور لم يقف عند حدّ من معين من فنون العلم وضروبه، بل أخذ الكثير من العناوين، واندفع وراءها الأعلام حتى أثبتوا لهم قدماً راسخة في كل لون من تلك الألوان. فالجانب العلمي بشقَّيه، الديني والمدني، أو الأكاديمي ـ كما يُعبَّر عنه اليوم ـ فهنالك دراسات في مسارات الدين، في العقيدة وعلم الكلام والحديث والرجال والأصول والفقه والتفسير وغيرها. وهنالك دراسات في المسار المدني، كالاجتماع والطبيعيات والهندسة والجبر والفلك والتنجيم وأمثالها.

وهنالك دراسات أخرى في الجانب الأدبي بجميع تفريعاته، من النظم والنثر والنقد والجمع والتأليف وغير ذلك. وكذلك الجانب الفني، ويعني الفنون الجميلة المعروفة اليوم، فهي اختصاص قديم لم يُستحدث اليوم، بل كانت بغداد قبل اثني عشر قرناً من الزمان تعيش التخصص في هذا الجانب. فلماذا أغلق هذا التخصص؟ وما هي الآثار السلبية التي ترتبت على تلك الحالة؟ هذا ما يطول فيه الحديث.

إن إبداع الإنسان العربي، ثم المسلم بعد الفتوحات الكبرى، أخذ المشهد الفني في داخل بغداد إلى آفاق واسعة. والكثيرون اليوم ممن يقومون بتقديم أطروحات الماجستير والدكتوراه، يأخذون هذا الجانب بنظر الاعتبار. والإنسان العربي جميل بطبعه، ثم جاء الإسلام ليضع اللمسات الأخيرة على جماليته. وأعني بالجمال هنا جمال الروح والطباع والتكوين.

ثم حصلت النهضة الفكرية في بغداد، التي مدت البساط أمام الفاتحين، ولو كان الفاتح وقتها لا يتمتع بحالة من الانفتاح الفكري، لما تسنى لهم أن يطرقوا أبواب أمم متقدمة في حضارتها، ونصوص التاريخ تؤكد ذلك وتوثقه.

والمسار الفكري بجميع مخرجاته، سواء كان مؤصَّلاً له دينياً من الكتاب والسنة، أو كان مستحدثاً من خلال تلاقح الأفكار مع الأمم من وراء ذلك. وبالنتيجة كانت بغداد مهيأة بكل ما تحمل الكلمة من معنى. مهيأة في الظرف الزماني والمكاني ومن حيث الاستقرار العام الذي كان يسود المشهد.

ولبغداد تفريعات كثيرة في أكثر من مدينة، وكانت الكوفة واحداً من أهم الروافد التي ساعدت في تسريع دوران عجلة النقلة في دار السلام في الجانب العلمي، وهذا ما يشير إليه كثير ممن كتب في تاريخ الكوفة في تلك المرحلة، ولو لم تضع يدك ـ أيها المؤمن ـ إلا على شاهد واحدٍ منها لكفى، ألا وهي الفترة التي عاشها الإمام الصادق (ع).

لقد تعاملت بغداد آنذاك على مسارين: النظرة السياسية الثاقبة، والنظرة الدينية، أما السياسية فيحكمها الظرف، ولها رجالاتها وقُرّاؤها، الذين يشخّصون ما لها وما عليها. أما الجانب الديني، فكانت بغداد العاصمة لا تعنى كثيراً بالتشدد والتزمت الذي يحدث حالة من الانغلاق، ثم الاندفاع الذي يتحول إلى قالب إرهابي صغير، ثم ما يلبث أن يأخذ مسارات بعيدة في أكثر من مكان.

كانت (دار السلام) تحمل عنوان (السلام) اسماً على مسمى، وعنواناً على معنون في الخارج، وكانت الحكومة وقتها تمدّ بساطها، وتُباعد ما بين الأطناب، فكانت الخيمة البغدادية (دار السلام) تستوعب جميع ألوان الطيف، فلم يكن فيها إلا ما يمكن أن يثبت الإنسان نفسه فيه، من خلال عطائه العلمي والفكري والفني والأدبي، كما أشرنا في أول الكلام.

وأخشى أن يقول قائل: إنك ذهبت بعيداً في ذلك، فأقول: سوف أضع هذه الملاحظة بين أيديكم، فأقول: إذا أردنا أن نقرأ التاريخ ـ أيها الأحبة ـ فعلينا أن نتخلى عن كثير من موجبات الضغط علينا، جراء الموروث الذي عشناه، وإلا لن نستطيع أن نعيش مع أنفسنا، ناهيك عن أن نعيش مع الآخر، فإذا كنتُ أنطلق من خلال تلك المواقف، وذلك الموروث الثقيل جداً، فلن أستطيع الانفتاح على نفسي، كي أتيح الفرصة لنفسي للانفتاح على الآخر.

الانفتاح على الآخر من موجبات الرقي:

أيها الأحبة: في زماننا هذا لا يمكن لأحد أن يلغي أحداً آخر، مهما كان ذلك الآخر، فرداً أو جماعة أو حزباً أو تكتلاً أو منظمة أو دولة أو غير ذلك. فعليك أن تحسن التعامل مع المقابل بما لديك من آليات دافعها الرغبة في الوصول للحقيقة، ومناخها قبول الآخر، فإن اجتمع هذا مع ذاك رشدت الأمة وتقدمت وأصبحت أمة واعية لا تعرف جنبة واحدة من جنبات الإسقاط والتسقيط.

فموجبات الرقي للنفس البشرية كثيرة، وذلك لمن أراد أن يرتقي ويقطع المسافات ويحلق كما أراد الله له، ومنها:

1 ـ عدم النقص في جوهر الروح التي بين جنبي الإنسان: وهذه يمكن أن نقف عند أبعادها في حدها الأول. فعندما أكون في مرحلة الطفولة فلا أحمل سوى الصحيفة البيضاء، وهي عبارة عن مرآة عاكسة عن روح في داخلي، فهي روح شفافة صافية قابلة لانطباع كل شيء عليها دون تصنيف، وتقبل هذا وذاك، وتنتظر الوافد ولو بعد حين. هكذا هي الروح السامية الراقية التي ليس فيها نقص في مبدئها الأول.

2 ـ أن تُجرَّدَ النفس من العوالق المادية والكدورات العارضة عليها: وهذا العامل مهم جداً، وأهم من سابقه، فربما ليس لنا في الأول حولٌ ولا طَول في التقديم والتأخير، وفي الشدة والضعف، والتركيب والتبسيط، ولكن في الثاني يمكن أن نطبع بصمتنا وأن نأخذ بأنفسنا حيث أردنا لها أن تنتهي إليه من حيث المقام.

ونعني بالكدورات ما هو موصوف منها بصفة الخبث، فبعض الكدورات غير موصوفة بصفة الخبث، وإن كانت يمكن أن تتحول بمرور الزمن إلى ما يتصف بتلك الصفة، فهي أشبه بالورم الذي ربما يكون حميداً في أوله، لكنه يتحول فيما بعد إلى ورم خبيث، فتنتهي النفس بموجبها إلى نهاية مُردية وسقوط في الحضيض. فعندما يُكتشف ورم من الأورام، تبدأ مرحلة التشخيص أولاً، هل هو حميد أو خبيث؟ ولكن ما يلبث بعد فترة إلا ويكون الإنسان رهينة لذلك الداء الخطير الفتاك، الذي يمسك به من جميع مفاصله. فالنفس الإنسانية معرضة للسرطنة أكثر وأسرع من تعرض الجسد لذلك. ولكن الناس يهرعون لما يصيب الجسد من خطر السرطنة ولا يلتفتون لما يتعلق بالنفس والروح، وهو الأشد خطورة وأكثر فتكاً.

فالكدورات هي الذنوب والمعاصي، سواء كانت من الصغائر التي تمّ الإصرار عليها، أم الكبائر، وإن حدثت عرضاً، وبالنتيجة تترك أثراً وخدشاً في النفس البشرية، ومن السهل أن تُحدث الخدش ولكن ليس من السهل إصلاحه. كما هو الحال تماماً في زيادة وزن الجسم، فمن السهل أن يرفع الإنسان من وزنه، ولكنه عندما يحاول أن ينقص من الوزن قليلاً يحتاج إلى فترة طويلة من الزمن مع برامج خاصة، وهكذا الحال في الجانب الروحي، وهو ما يدركه العارفون وأصحاب السلوك.

3 ـ التوجه صوب المطلق وهو الله سبحانه وتعالى: فعندما نعيش الخشية من الله تعالى في أقوالنا وأفعالنا فسوف ترتاح نفوسنا وتستقر، أما إذ غفلنا عن دائرة اللطف للمطلق، سنقع في أكثر من شراك وشراك. فإذا انشغلت بشيء خارج دائرة المطلق فاعلم أنك غادرتها، ويكفيك ملامة لنفسك أنك تحركت خارجها، فالبقاء في دائرة المطلق يعني عدم الكذب وعدم الحسد وعدم البغض وعدم قطيعة الرحم، والارتباط بالله، وبمحمد وآل محمد.

4 ـ إلغاء رداء العصبية المقيتة: كالعصبية للأسرة والقبيلة، فلا يرى أن أحداً له حظٌّ من الخير سوى قبيلته وأسرته. أو أن يكون متحزباً، فيرى أن جميع الأحزاب سوداء مظلمة، ومستهلكة في الظلام والظلم، ولا يرى في حزبه إلا عنوان السلامة والصفاء والمحبة والسلام. أو التعصب للنُّظُم، أو التعصب الرياضي، أو غيره.

والعجيب هنا أن الكثير منا يتعصب لشخص ما، حال أن ذلك الشخص لا يعنيه من تعصب له شيئاً، لا من قريب ولا من بعيد. فتراه يتعصب للنادي، حال أن النادي في عالم وهو في عالم آخر. أو لحزب وتوجُّه، في حين أن ذلك الحزب والتوجه لا يمنحه أي اعتبار. وهكذا التعصب لشخصية أو عالم أو أديب أو ممثل أو خطيب أو غير ذلك. فهؤلاء الذين تتعصب لهم لا يعيشون عالمك، إنما عاشوا عوالمهم، ولو لم يعيشوا عوالمهم لما تقدموا.

بل تسوء الحال كثيراً حتى يكون التعصب للظالم، فيستوي عنده الظالم والمظلوم، والقاتل والمقتول، والمعتدي والمعتدى عليه. أما أسباب ذلك ودوافعه التي تقف وراءه فهي كثيرة، وعلى المتعصب أن يبحث بنفسه عنها، إلا أنها في الغالب من الأمور البسيطة في داخلي وداخلك، لكنها تمثل قوة بقوة العالم من حولها، لذا يستطيع الإنسان من خلالها أن يتقلب في جميع المسارات والمربعات من حوله.

فرفع الحجب مهم، وأولها حجاب الأنا والعصبية، إذ يرى من يتستر خلف هذا الحجاب أنه الناجي الوحيد من الطوفان، والآخرون هلكى، والحال أننا جميعاً في سفينة واحدة، ولا يمكن لأحد أن يُحدث فيها خللاً، ومن فعل ذلك هلك وأهلك، ولا يمكن أن تصل السفينة لساحل النجاة إلا بالحفاظ عليها من الجميع.

5 ـ لملمة المقدمات والرغبة في الوصول إلى الهدف المنشود لكل إنسانٍ منا وفق الشروط المستوجبة لذلك: وهذا يخص الشباب اليوم بالدرجة الأولى. ورب قائل يقول: ولماذا شباب اليوم فقط؟ أقول: من كان في عمري وعمر أمثالي من الأجيال، قد أخذ سهمه من الحياة، أما الجيل القادم ففي يده أمانة كبيرة، حتى نحن أصبحنا أمانة في يده، فهو الذي يحفظ حياتنا وأفكارنا ومبادئنا وقيمنا، وهو الذي يستطيع أن يحافظ على مكوننا في جانبه المعرفي والعرفي. فهذا الشباب تتعلق به الحياة في المستقبل، وصغار القوم اليوم كبار في الغد، ولذلك يتوجه خطابي لهذه الشريحة.

والمفتاح للملمة المقدمات يكمن في عقولكم، فلا بد من تحريك العقل وإخراجه من حالة السبات، ولو بإثارة نظرية قديمة لغربلتها وتمحيصها، فما من نظرية وصلت من مربع إلى مربع إلا وهي تحمل في داخلها ما يؤمّن لها الانتقال إلى مربع آخر، فإن جمّدت عقلك بقيت رهن المربع الأول.

فالعالم الغربي متقدم علينا في الجانب التكنلوجي، ومن أسباب تقدمه إعادة النظر في النظريات العلمية السابقة وتمحيصها ودراستها. أما في الجانب السلوكي فلا، ولا بد أن أبين في يوم ما هذا الأمر، لأن الضرورة أصبحت اليوم ملحة لبيان أن هذه الحالة من التزويق والترويج لحال الشباب والشابات في العالم الغربي لا أساس لها. ففي أمّ الحضارات المتقدمة اليوم وهي أمريكا، تم التوقيع على مئة وثلاث وخمسين معاهدة مع الهنود الحمر، على أن لا تعتدي على أموالهم ولا ممتلكاتهم، لكنها داستها تحت أقدامها، وقتلت الملايين من الهنود الحمر في تصفية عرقية مروّعة. هذه هي الحضارة التي تسرق عقول وقلوب الكثير من شبابنا اليوم.

فإذا كانت دار السلام قفزت بالإنسان، ووصلت من خلال هذا المكون الذي كان يعيشه إلى حالة الإبداع والاختراعات التي أحدثت النقلة في كثير من جوانب الحياة آنذاك، وعاش الإنسان حالة من الرشد والتقدم في جميع جوانب حياته، فلماذا حصل التراجع فيما بعد؟ هذا ما سوف نتناوله في الأسبوع القادم إن شاء الله، لأنه يعنينا.

توكيل المرأة في الطلاق:

ولكي أقف على نهاية موضوع المرأة وأصل فيه إلى نهايته، أذكر مسألة شرعية مهمة، وهي: قد تقول بعض الأخوات: لقد بينت لنا الموضوع وجعلته في منتهى الوضوح، ولكننا بحاجة إلى ما نتسلح به أمام بعض الرجال الذين لا يحفظون للمرأة حقها. فكيف تدافع المرأة عن نفسها في مقابل موروث بائس يستهين بشخصيتها؟ ومن قراءة خاطئة للنص الديني والفتوى؟

أقول: تقول الفتوى: «يجوز أن تشترط الزوجة أن تكون وكيلة عن الزوج في طلاق نفسها، إما مُطلَقاً، أو في حالات معينة، من سفر طويل، أو جريمة موجبة لحبسه، أو عدم إنفاقه عليها شهراً ونحو ذلك، فتكون وكيلة في طلاق نفسها، ولا يمكنه عزلها، فإذا طلقت نفسها صحّ طلاقها»([3]).

نسأل الله سبحانه وتعالى لنا ولكم التوفيق، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

([1]) طه: 25 ـ 28.([2]) قرب الإسناد، الحميري: 14. ([3]) السيد السيستاني، منهاج الصالحين، المسألة رقم: 334.
تعليقات الزوار