تويتر
فيسبوك
انستقرام
يوتيوب
Rss

نص خطبة:دار الخلافة وأثرها في النقلة العلمية بين المسلمين

الجمعة 1440/4/27هـ - 2019/1/4
نص خطبة:دار الخلافة وأثرها في النقلة العلمية بين المسلمين
  • 2019-01-17 03:01 AM
  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد التعليقات 0
  • -
    +

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف أنبيائه ورسله حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وآله الطاهرين. ثم اللَّعن الدَّائمُ المؤبَّد على أعدائهم أعداء الدين.

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ~ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ~ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسَانِي ~ يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾([1]).

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح، واجعل نيتنا خالصةً لوجهك الكريم، يا رب العالمين.

في الحديث الشريف عن المولى علي (ع): أن «العلم حياة القلوب، ونور الأبصار من العمى، وقوة الأبدان من الضعف»([2]).

إرهاصات الخلافة بعد النبي (ص):

المحطة الثالثة التي حطت الخلافة الإسلامية رحلها فيها هي دمشق الشام، بعد المدينة المنورة والكوفة العلوية. وفي دور الخلافة بمقتل الإمام علي (ع) تشعبت الطرق واختلفت الآراء، وذلك يحكي ما كان عليه الواقع بين صفوف المسلمين بعد وفاة النبي (ص).

ثلاثة من الخلفاء الأربعة الراشدين قضوا في عمليات اغتيال، وهذه الشفرة تنطوي على الكثير مما أغفله التاريخ، بل ربما كان الباحث يدفع حياته ضريبة إذا ما أراد أن يفكّ تلك الشفرة، ويقرأ ما وراءها من الطلاسم.

فليس من السهل أن يكون أفضل القرون ـ وهو الأول، كما في بعض النصوص عند العامة من الإخوة من المذاهب الشقيقة، وهو القرن الذي عاش النبي (ص) وسمع منه وشاركه حروبه وقاسمه لقمة عيشه، وتبسّط معهم فيه وتبسطوا معه ـ يتميز بهذه الميزة، وهي تصفية ثلاثة من الخلفاء من أصل أربعةٍ يوصفون بالراشدين. هذا يستدعي استرجاع الزمن واستحضار التاريخ، وقراءته بشيء من التأمل. فمع الأسف يحرك قراءاتنا الدافع الطائفي لدى جميع ألوان الطيف الإسلامي، ولا أستثني أحداً.

والطائفية عندما تتحرك على أساس من العاطفة لا العقل، ومن المحبة لا المصداقية، ومن الرغبة لا الموازين التي ينبغي مراعاتها، تصل الأمور إلى ما وصلت إليه.

تآمر الخوارج على علي (ع) فقتلوه في المحراب شهيداً وهو يقول: فزت ورب الكعبة. وانطوت تلك المرحلة، وبدأت دورة جديدة من ألوان الحكم في واقع المسلمين، فكان الخليفة في الشام هو معاوية، وتبدل نظام الخلافة إلى نظام الملك، وترتب على هذه النقلة الكثير من رفع اليد عن الكثير من الأصول المؤصلة والتأسيس لمرحلةٍ بناءً على أصول جديدة.

وهذه الخلافة ـ أو الملك الأموي ـ وضعت نُصب عينيها مركزية الحكم، فقطّعت العالم الإسلامي في تلك المرحلة إلى ألوية وولايات، ونصبت عليها القادة، الذين كانوا في الكثير من الأحايين من القادة العسكريين على حساب أصحاب الكفاءة من حملة القرآن والنص. ودونكم التاريخ اقرأوه.

وعندما تحقق لملك الشام ما أراد، اندفع في مسار الفتوحات الإسلامية، فتوسعت دائرتها وضربت في الشرق والغرب، وأصبحت الدولة الإسلامية دولة عظمى لا يُشق لها غبار، فكانت تهابها الدول القيصرية والكسروية، وحتى تلك التي في أقاصي الأرض، ممن كانت تخشى أن يصلها المدّ الإسلامي، لكنه وصل، فما هي إلا فترة وجيزة حتى أصبحت أسبانيا اليوم ـ أندلس الماضي ـ في أحضان العرب المسلمين. وكذلك فارس، بل لامسوا سور الصين. وباتت جميع المقدرات والإمكانيات في يد المسلمين، وأصبح الإنسان العربي الصحراوي هو صاحب الكلمة والنفوذ. وما كان هذا ليتحقق لولا شدة البأس ورفع القرآن كدستور هداية للأمم، التي كانت متعطشة. فالمستضعفون من الناس هم الذين يدفعون الضرائب في الغالب، أما من يحركون الأمور ففي الكثير من الأحايين في مربع السلامة.

لقد كانت جيوش المسلمين تدك حصون المشركين والوثنيين في كل مكان، وكان بعضها يدخل صلحاً، وبعضها يدفع الجزية ويبقى على دينه. والإسلام دينٌ مرن لا كما حاول المستشرقون أن ينعتوه بالإرهاب وحمل الكراهية ونبذ الآخر، إنما هو محبة وإنسانية وسلام. والإسلام دين الله تعالى منذ أول الرسالات حتى نبينا محمد (ص).

ومما لا شك فيه أن خليفة الشام لم يرق له ما كان عليه مسار الخلافة الراشدة، لذلك عمد لوضع نظام جديد، يكفل له البقاء والاستمرار جيلاً بعد جيل، وفق المستجدات التي كانت تحكم الواقع الإسلامي، وبالفعل رفع ووضع، وقرّب وأقصى، ثم سنّ القوانين، وربما يكون ذلك العهد، والحقبة المضافة لمعاوية بن أبي سفيان، معمّاة على الكثير من الناس، وغير مفككة الأرقام وغير مغربلة كما ينبغي، لأسباب عديدة. وإني أرى أن القراءة على أساس الحب المفرط أو الكره المفرط غير منتجة، فمن أراد الغربلة فعليه أن يكون حيادياً في القراءة، ولا يرمي نفسه في إحدى الكفّتين، وأن يعرض ويقرأ النص وفق القواعد في مسارات النقد، ويقرأ المرحلة، على أن يكون قادراً على القراءة واستحضار المشهد التاريخي وعلى استحضار القرائن المكتنفة للنص في تلك المرحلة، وإلا سوف لن يصل إلى نتيجة. وما يدفعه المسلمون اليوم في شرق الأرض وغربها إنما هو بسبب إغفال هذا الجانب في استحضار التاريخ والغربلة والعلاج من خلال بوابة النقد.

وبعد مرحلة تأصيل نُظم الحكم في الدولة الأموية، بدأوا بالانفتاح على الثقافات لا على أساس من التقنين، لأنه لا يضر أن يكون المنتج بهذه الكيفية أو تلك، خصوصاً لمن قرأ ما هو مكتنز في ذهنية أبي سفيان بقوله: ما من جنة ولا نار. وعلى هذا رُتبت الكثير من الأوراق، والإنسان الواعي يدرك ذلك.

النص والشورى: 

والإمامة والخلافة مساران متلازمان، فبعد وفاة النبي (ص) افترقت الطرق، فمن ثبت على مدرسة النص أخذ بمسار النص، ومن رفض هذا وتمسك بعالم الشورى أخذ المسار الثاني. والإمام علي (ع) ـ وهو من يعنيه الأمر أولاً وبالذات ـ كان يقول: «ووالله لأُسْلِمَنَّ ما سلمت أمور المسلمين»([3]). ودخل (ع) فيما دخل فيه الناس، وأفتى عند الحاجة، ووجّه عند الخلل، ودفع في اتجاهات تثبيت قواعد الدولة الإسلامية وحفظ ثغورها، بل في بعض النصوص أنه أنفذ الإمام الحسن (ع) في بعض المهمات.

ويجمل بنا أن نستعيد تلك المواقف من الإمام علي (ع) ومن جاء بعده من الأئمة (ع) في حركة هذا الملف، أي في قوله: لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين. وذلك لمن أراد أن يعيش الهدوء والاستقرار والعبور إلى الضفة الأخرى، أي إلى ساحل النجاة.

وقد كان أبو سفيان يريد إلقاح الفتنة بعد وفاة النبي (ص) بين علي (ع) والمتقدمين عليه في الخلافة، إلا أنه (ع) وقف بقوة في وجه هذا التوجه. فلو أنه استجاب لأبي سفيان، وجمع له أبو سفيان ما استطاع أن يجمع من الخيل والرجال، وأجهز على الخليفة الأول والثاني ومن كان ينافسه فيها، فما عسى أن تكون عليه الأمور؟

هنا الحكمة والعقل والصواب وبُعد النظر، فلو حصل ما حصل من التهور، وعدم حساب الحساب لقيمة الدم والإنسان، وعدم الاكتراث بالقيم والمبادئ والأصول الدينية، لما كان هنالك إسلام بعد ذلك. لكنه الإمام علي، إمام الوعي والحكمة، بل هو الإسلام الواعي المتحرك الأصيل.

فالإمامة كانت لعلي (ع) ولا يمكن له أن يتخلى عنها، لأنها نص من الله تعالى، وتعيين وتعيُّن. أما الخلافة فشأن من شؤون الإمامة، ويمكن أن تذهب واقعياً لمن تذهب.

مشروع القيادة بين مرحلتي الحضور والغيبة:

نحن لسنا بعيدين عن ذلك الواقع، باعتبار أن الإمامة في مدرسة أهل البيت (ع) ابتداء من علي ثم الحسن ثم الحسين ثم أبناء الحسين حتى الخلف الباقي من آل محمد صلوات الله عليهم  أجمعين، كانت موجودة بين ظهرانيّ الأمة، غاية ما في الأمر أنها اليوم في عالم الغيبة، فنحن لا نستطيع أن نلتقي الإمام ونتعرف عليه.

وعندما قربت مرحلة الغيبة أصّل لها الأئمة الأطهار (ع) منذ زمن الإمام الجواد ثم الهادي ثم العسكري عليهم السلام، أي أنهم وضعوا القواعد والأسس المناسبة لحالة النقلة بين الإمام الحاضر والإمام الغائب، فهو مفترض الطاعة على آحاد الأمة مع غيبته. وهي حالة ليست بالهينة، وبمثال بسيط لتقريب المعنى مع الفارق الكبير: لو أننا عشنا المرجعية في أوساطنا ثم نجد أننا بلا مرجعية بشكل مفاجئ، فما عسى أن يكون الحال؟ هكذا نتوقع أن يكون حال الأمة وهي تتلقى مرحلة الغيبة، بل أشدّ بكثير، لأن القياس مع الفارق الكبير. ولكن الأئمة (ع) رتبوا الأوراق قبل حصول النقلة الكبرى.

فكانت هنالك مجموعة من النصوص والروايات، منها ما هو إجابة عن أسئلة، ومنها ما هو ابتداء، ومنها ما على نحو المكاتبة، وهكذا. وهذه الحالة من النصوص تركت موروثاً يحتاج أيضاً للبحث والنقاش، سواء في زمن صدوره أو بعد غياب صاحب النص. وهذه الحالة من حضور المعصوم وغيابه تختلف كثيراً، لأن وجود من صدر منه الكلام يحل الكثير من المشاكل على مستوى الإثبات أو التفسير. وبمثال بسيط، وجود الأستاذ في الصف يختلف كثيراً عن عدم وجوده، إذ تجد أن الصف متّحد يتحرك بحركة الأستاذ ويرجع لكلمته الفصل، أما إذا غاب عن الصف، فسوف يختلف الحال كثيراً.

لقد انقسم علماء الأمة والطائفة حول تلك النصوص إلى أكثر من قسم وقسم، وكل قسم انقسم على نفسه، فكلٌّ يقرأ وفق معطيات ما أَسس، وهذا مُلاحَظ في حياتنا اليوم، إذ نجد أن القراءات تختلف بين رجالات العلم والفكر والأدب والنقد، بناء على المدارس التي يتبنونها وينتمون إليها ويتعاملون على أساس نتائجها، ولذلك لا يمكن تسفيه أحلام الجميع، فقد يكون الحق في هذه الجهة، وقد يكون في تلك، وقد يكون في الجهتين بأشكال مختلفة، وقد تكون هناك قابلية للجمع بين الآراء المتنافرة، وقد يكون العكس، فلا يمنع أن يقدم المرء رأيه ويبينه، لأن الرأي أمانة ومسؤولية.

مدارس قراءة النص:  

ويمكن بيان حال المدارس التي تعاملت مع تلك النصوص بالشكل التالي:

1 ـ مدرسة الوقوف عند حرفية النص الديني التركيبية: وعمدة هذا الاتجاه المدرسة الإخبارية، ابتداءً مما بعد حقبة الغيبة الصغرى التي استمرت حوالي سبعين سنة، وما بعدها. فبعد الغيبة الصغرى كانت الحركة في عمومها إخبارية، مع حراك خجول في غيرها. ولذلك لا بد أن نعرف أن كل ما يطرح من آراء اليوم في الساحة، وينظر إليها أنها شاذة لها أصولها وعلماؤها منذ زمن الغيبة، وليس هناك ما هو مُستحدث، غاية ما في الأمر أن المشهور هو المسيطر، أو ما يُدّعى الإجماع عليه.

فالمدرسة الإخبارية تتمسك بظاهر النص وحرفيته، وأن ما استعصى على فهمك كفقيه عليك أن ترجئ الرأي فيه لصاحب النص، وهو الإمام المعصوم (ع). ولا ندري متى يكون ظهور صاحب النص على وجه التحديد؟. فلو كانت لديّ رواية أحتاج لتفسيرها، وكنت أعيش قبل ألف سنة، فهل أنتظر الإمام يظهر بعد ألف سنة؟ وعليكم أن تقدروا حجم الخسارة المترتبة على هذا الرأي. وكما دفعت مدرسة الحديث عند أهل السنة الكثير من الضرائب، لأن إمام المذهب كان يرى رأياً معيناً، فيضطر من يصل إلى نتيجة أن يعطل نتيجته لصالحه، كذلك دفعت مدرسة الإخباريين عندنا الكثير من الضرائب لهذا السبب. وقد انتبهت المدرسة السنية اليوم بجميع أطيافها إلى أن الجمود على آراء الأربعة غير ممكن، ولا بد من شق الطرق وتعدد المسارات.

2 ـ مدرسة إشراك العناصر المشتركة في تفعيل النص واستنطاقه: وهي المدرسة الأصولية، وهذه تملك من العناصر المشتركة ما يعطيها البعد الواسع والعميق في الوقت نفسه في تحريك مركّب النص، الذي استسلمت عنده المدرسة الإخبارية، ولكن مع شديد الأسف، حتى المدرسة الأصولية بقيت أسيرةَ ما ألمحت إليه قبل قليل. صحيح أن هناك مدرسة أصولية واسعة اليوم، إلا أنها لم تطلق العنان للعناصر التي خلصت إليها، إنما بقيت في حدود المباني التي ندرسها في الحوزة ونقف عند حدود ذلك، دون تفعيل واسع لتلك المباني.

3 ـ مدرسة الفقه المقارن: وهي معروفة عند العامة والخاصة، أي عند السنة وعند الشيعة الإمامية. وهذه المدرسة حاولت أن تقرّب ما هو موجود من النتاج عند المدرستين، فاستعرضت آراء المذاهب جميعاً وناقشتها.

ويعتبر السيد محمد تقي الحكيم (رحمة الله تعالى عليه) من أعاظم العلماء الذين برعوا في هذه المدرسة، وهو قمةٌ يمكن أن تسافر به الطائفة وتعبر ما وراء الحدود، حيث فتح هذا الباب، ووضع كتاب الفقه المقارن، ودُرّس هذا الكتاب وكتبت عليه شروح ورسائل، وإلى اليوم لا يَستغني الفقهاء التجديديّون عن الرجوع إلى موروثه، فقد كانت له آليات متقنة، وكان قد انفتح على المسارين ببعد نظر كبير.

وإذا سلمت مدرسة الفقه المقارن فإن الأمة الإسلامية بأمسّ الحاجة إليها اليوم أكثر مما كانت عليه قبل عقود. فلو اتفق المسلمون فيما بينهم على طرح الفقه المقارن، وجعل هذا الفقه هو الذي يؤمّن تكاليف المسلمين، فلن تُراق قطرة دم، ولن يُهدر مال، ولن تُهتك وتنتهك مقدسات، ولن تُسفَّه أحلام.

ومن معاني هذا المسار عدم الإلغاء لأي من الأطراف، إنما يتم تحريك الفتوى وفق الدليل في هذا الطرف، ومن خلال الدليل أيضاً في الطرف الآخر، فيرفع كل منهما يده ليتقرب للطرف الآخر ويتفهم دليله. وهذه هي روح الرسالة التي جاء بها محمد (ص) إذا أعيدت إلى أصولها.

4 ـ مدرسة إشراك العناصر الخارجية في استنباط الأحكام: فهناك عنصران هامان أُغفلا في الكثير من الأحايين، ولم يحسب لهما أي حساب، لذلك كانت الضرائب باهظة سأشير إلى كثير منها. وهذا العنصران هما الزمان والمكان، فالفتوى في زمن قد تكون لها قابلية، ولكن إذا عفا عليها الزمن قد تفقد قابليتها، والزمن يعفي على كل شيء. وكذلك المكان له خصوصياته، لذلك تجد أن ذهنية الفقيه في لبنان من زمن الشهيدين رضوان الله عليهما، إلى من جاء بعدهما من الفقهاء الكبار، إلى من عشنا طرفاً من حياتهم، تختلف عن ذهنيات غيرهم من حيث الانفتاح. فالفقه المقارن وإن لم يتعاملوا به بصورة صريحة واضحة، إلا أن اللمسات واضحة والتأثر بيّن، خصوصاً عند المتأخرين منهم.

فالزمان والمكان عنصران مهمان في هذا الباب، فالمكان يعني ثقافة الناس، وكذلك قوة الاقتصاد أو ضعفه له الأثر في ثقافة الناس، وطبيعة الناس في الانفتاح أو الانغلاق على المحيط لها أثر في المكوّن. والاستقرار السياسي والأمني أيضاً له أثر، فلو وجدت مساحة اقتصادها قوي، وثقافتها منفتحة وأمنها مستقر وسياستها محكمة، فما عسى أن يكون حال الشعوب التي تعيش ضمن هذا النطاق؟ لا شك أن الإبداع سوف يحصل في جميع الملفات والتوجهات.

والفقه ليس بعيداً عن هذا. فعندما تلاحظ رسالة لأحد الفقهاء وتجد أنها مشبعة بالاحتياطات، فهل أن الفقيه عاجز عن الاستنباط؟ أو أن ذلك من الاحتياط في الدين؟ هنا يأتي الكلام في ما هو أهم من ذلك، وهو الثقافة والمحيط الذي يتحرك فيه الفقيه. كما أن الارتباط مع العالم زماناً ليس بالضرورة أن يكون بالذهاب والإياب، إنما المهم أن تكون المعلومة حاضرة عندي، أصل إليها متى ما أشاء، وأن أعيش الحدث في وقته وزمانه. هذا كله يؤثر في النص.

فالإفادة من حركة الاجتهاد عند المدارس المذهبية الأخرى يكون بالفقه المقارن. والسيد الإمام رضوان الله عليه، أعمل الزمان والمكان في الكثير من الأمور، حتى في الفتاوى التي يدعى الإجماع عليها، حرّك فيها مقدمات الإجماع، من خلال الإفادة من الزمان والمكان. والسبب في رفض الكثير من الأمور اليوم من قبل البعض هو إغفال ما للزمان والمكان، وسوف يأتي الكلام عن الخسائر التي ندفعها بسبب هذا الإغفال.

من هنا نجد أن الوكيل يتأثر تبعاً لهذه المنظومة، فكما أن المرجع يختلف من شخص لآخر، كذلك الوكيل، بناء على الاختلاف في الثقافات والأذواق والعلاقات مع الناس.

وفقنا الله وإياكم لكل خير، والحمد لله رب العالمين.      

([1]) طه: 25 ـ 28.([2]) أمالي الصدوق1: 616. ([3]) نهج البلاغة: 102. صبحي الصالح.  
تعليقات الزوار