تويتر
فيسبوك
انستقرام
يوتيوب
Rss

نص كلمة: الإسلام شريعة الحياة

الاربعاء 14-3-1440هـ
نص كلمة: الإسلام شريعة الحياة
  • 2018-12-01 09:12 AM
  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 90
  • عدد التعليقات 0
  • -
    +

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين ثم اللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أعداء الدين

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي[1]

اللهم وفقنا للعلم والعمل الصالح واجعل نيتنا خالصة لوجهك الكريم يا رب العالمين

صلاتي عليك نبي الهدى صلاةُ محب يريد النجاة

يقدس فيك خطى الأنبياء ويعشق فيك سبيل الهداة

ويقرأ فيك حروف الكمال محمد (ص) أنت وتمضي الحياة

تعنون فيك جمال الإله وحسن الصفات وسرّ اللغات

وفيك تأصّل سرّ الوجود محمد (ص) نور الهداة والثبات

إذا عد يوم مسار النجوم تعرفت فيك سنا المحكمات

لهذا جمعت قوى الحاضرين لنيل الثواب برفع الصلاة

اسعد الله أيامنا وأيامكم، بارك الله لنا ولكم، رزقنا الله واياكم في الدنيا زيارة أئمتنا عليهم السلام وفي الآخرة شفاعتهم وجمع الله بيننا وبينهم في الدنيا والآخرة.

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[2].

محطات من حياة النبي الاعظم (ص)

للنبي الأعظم (ص) في ذكرى مولده الشريف محطات كثيرة تستدعي التوقف عندها، ومن الطبيعي ان الانسان قد يتوقف بين الفترة والأخرى عند محطات ربما أجبرته الحياة على التوقف عندها وربما كان من باب الترف ليس إلا وقد يكون لا هذا ولا ذاك ولكنها المنطقة الوسطى التي تشغل حيز بين منطقتين والتي يعبر عنها في الفلسفة بالحال وان كان هذا المعنى المنتزع ليس متسالم عليه بالمطلق وانما هو محل بحث ونظر وقبول ورد وهذه الحالة طبيعية عند اصحاب السير المعرفي سواءٌ كان ذلك في علم اللاهوت او انصرف الى عالم الناسوت وهو المستحوذ على مساحات كبرى في مسارات العلوم، من هنا حياة النبي (ص) لأنها تصب في هذين المسارين ما يتعلق بلاهوتية الشيء وما يرتبط بناسوتيته فمن الجميل على الانسان المسلم ان يعد عدته الكاملة في سبيل ان يقترب من معطى هذه المفاهيم التي كما قلت لكم شغلت المساحات الكثيرة وربما نحن لا نعطيها اقل القليل مما ينبغي ان يعطى حال ان الاسلام بادئ ذي بدء انما دعا للقراءة ودعا للكتابة ودعا لقراءة حال الأمم السابقة في تجاربهم، في عطاءاتهم، في مسارات الحيات التي تقلبوا من خلالها ونفذوا الى الكثير من المكامن ما يستوجب ذلك مما لا شك فيه.

تأسيس القاعدة الاولى في مكة المكرمة من المكون الأول

النبي (ص) في مراحل قيام الدولة الاسلامية وهي عبارة عن دولة الاسلام ان كان في مهدها في مكة المكرمة أو بعد أن أعلن عنها واخذت بأسباب العيش وأطرافه في المدينة المنورة أو ما ترتب على ذلك من مساحات كبيرة شغلتها دول تعنونت بعنوان الخلافة في الأغلب الأعم الاكثر، حال ان ذلك لم يلغي ما لدور المماليك والامارات والولايات والاقاليم من آثار وإسقاطات مباشرة على المشهد ككل إلى اليوم الانسان المسلم يدفع الضريبة جراء ما كان في تلك الحقب الزمنية، النبي الأعظم (ص) حتى ينطلق بدعوته لابد وان يضع يده على حجر الأساس على ان يكون محكما فهكذا سعى النبي (ص) باذلا جهوده عندما كان في مكة المكرمة من خلال تأسيس القاعدة المؤمنة فيما يمثل المكون الأول للانطلاقة الكبرى داخل المجتمع المكي، المجتمع المكي تارة نقرأه من خلال موروثنا وتارة نقرأه من خلال ما قرأه المستشرقون انا لست مع من يدير ظهره للتاريخ بالمطلق ولست مع من ينفتح على الاستشراق في استنطاقاته أيضاً بالمطلق، لكن ينبغي ان نأخذ من هذا شيء ومن هذا شيء ونزاوج فيما بينهما لنخلص بعد ذلك لاستخلاص النتائج المرضية، لا يمكن ان نلغي ما للتاريخ وما دونه المدونون في تلك الحقب الزمانية من قيمة، كما ان قراءات المستشرقين ليست هي الباطل بالمطلق ولا ينبغي ان نكون أسراء لقضية المؤامرة التي بات يجلد بها الانسان في كل مساحاته سواءٌ كانت تلك المساحات شخصية أو اجتماعية أو حتى على مستوى دول، اليوم بات سوط المؤامرة هو الذي يلهب ظهور الأفراد والمجتمعات والمكون الأكثر أهمية ألا وهو مكون الدول، النبي (ص) خاطب تلك الجماعة أو النخبة أو الصفوة ـ ما شئت فعبر ـ بادئ ذي بدء في مسارات الأصول ليس إلا ألا وهي كلمة واحدة: «قولوا لا اله إلا الله تفلحوا» وأما بقية الأمور التي جاءت بعدها سواءٌ من خلال تكثير الأصول أو من خلال الفروع المنتزعة عنها لم يأتي ذلك إلا في فترات متأخرة وعلى نحو التدرج لا على نحو الأمر الدفعي.

السعي لتأمين اسباب الحماية لمن دخل الاسلام في مكة المكرمة

 مجموعة من المؤمنين أو من الناس آمنوا بالنبي (ص) وأعطوه القيادة المطلقة وقفوا معه في الظروف الصعبة، ناصروه بما كان في مقدورهم ان يقوموا به، بل بعضهم ضحى بأغلى ما يملك كما هو الحال بالنسبة لياسر وسمية و خباب بن الأرت وحتى بلال وغير هؤلاء من الاشخاص الذين قدموا الشيء الكثير ان انتهى بحياتهم إلى العروج أو بقي هؤلاء وبقيت معهم الكثير من الأسرار التي تنطوي عليها، كانت ملهبةً وأيضاً موجبة للاشراق والاسقاط في قلوب الآخرين وآثاره بينة في الحقبة المدنية كما سنقف ان شاء الله عليها سريعاً، بعد ما دخل هؤلاء الثلة في الاسلام واتصفوا بصفة الايمان هؤلاء في مجتمع ليس مجتمعا منسجما ومتقبلا للديانة القادمة ولا حتى لأفرادها، بل كان الذين دخلوا في الاسلام في معظمهم هم من الطبقة المسحوقة وممن هم يضافون إلى الآخر وليس هم من يمثلون ويشغلون موقع السيادة وقتها، لذلك كانت الضريبة قاسية جدا، بل كان النبي (ص) يعيّر ببعض الاشخاص الذين آمنوا به حتى وصفوا بالرذالة وهذه أيضاً من الامور التي تعرض لها القرآن، النبي (ص) سعى لتأمين اسباب الحماية لمن دخل الاسلام في مكة المكرمة وهم بطبيعة الحال الأقلية آنذاك بحيث لم يمتلكوا القدرة عن الدفاع عن النبي (ص)، تجلى المشهد في قضية الشعب ـ وما ادرانا وما ادراكم وما ادراهم وما أدرى الآتي ما في قضية الشعب من الامور ـ، هذه الحقبة الزمنية (فترة ثلاث سنوات) في الشعب تقريبا او اكثر بقليل هذه مع شديد الاسف لم يسلط عليها الضوء كما ينبغي من الباحثين ومن الساردين ايضا حتى للتاريخ مع شديد الاسف.

الهجرة من مكة المكرمة الى المدينة لبناء مشروع الدولة‌ الاسلامية

الامر الآخر بعد ان آمنت به الجماعة تقدم الفصل الزمني أمّن حالة من الاستقرار لهؤلاء الثلة الذين آمنوا به أراد ان يضع الحجر أو أن يبني على ذلك الحجر الذي وضعه في مكة المكرمة الخطوط العريضة للمشروع، مشروع الدولة الاسلامية هنا تحتم عليه ان يستبدل الموقع بموقع، هذه المرة هي المدينة المنورة غادر مكة، لان مكة وقتها لم تكتمل فيها العناصر المستوجبة لقيام الدولة والحفاظ عليها والذهاب بها إلى المسافات والمديات البعيدة جداً وإنما كان في أحسن الظروف يمكن تعني القبيلة ومن يضاف إليها ولو بقي النبي (ص) في مكة لما كتب للإسلام ان يأخذ امتداده من شرق الارض الى غربها ومن شمالها إلى جنوبها وان يدخل بعد ذلك كما يصف القرآن الناس: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا[3] وانما قد يكون على نحو الافراد في احسن التقادير، أمّن هذه الحالة ثم غادر إلى المدينة في هجرته المعلومة والواضحة المعالم في نفس الوقت، هذه الهجرة أيضاً مع شديد الاسف تتجاذبها حالة من الترف الفكري إذا ما اراد الانسان ان يقترب من مساحاتها، بعضهم لا يتعاطاها إلا على اساس من تدخل السماء في تسيير ذلك الموكب الرسولي من مكة إلى المدينة المنورة، طرف آخر لا يستحضر منها الا ما يستوجب رفع الصلاة وهو امرٌ محبوب ومطلوب ومندوب والحث عليه كثيرا، لكن عندما نريد ان نقرأ الحدث التاريخي او النص التاريخي لابد وان نتحرك على اساس من سلاح فلسفة له القدرة على تفكيك ذلك النص الحاكي لذلك الحدث، ما لم نتعامل مع الامر بهذه الكيفية ونبقي في حدود الكرامات والمعجزات حينها لا نستطيع ان نتقدم، لان المعجزة التي لا ننكرها جرت على يدي النبي (ص) وفي مواطن عدة وعلى ايدي الائمة عليهم السلام جرت الكرامات وفي مواطن عدة وحتى على أيدي المؤمنين أيضا، اليوم الكثير من الكرامات ربما تجري لكن انما تجري لما يستدعي، فبعضها اصلا مربوط بالظرف الزمني ولا يمكن ان يسري الى غيره وبعضها بالظرف المكاني ولا يمكن ان ينقل من هنا الى هناك وبعضها مربوط بالأطراف من الفاعلي إلى المفعول فيما يتعلق بالحدث خارجا ايضا هذا لا يمكن ان تستحضر ذوات عفى عليها الزمن وطوتها القرون كثيرا اما اليوم فانت حتى تصل الى مقام الايمان الذي يستحضر لك المعجزة والكرامة كما يقولون فانت تحتاج الى الشيء الكثير الكثير الكثير ولا نريد ان نذهب اكثر من هذا حتى لا تكون تمة قسوة بالمقام.

التأصيل والتفريع في مساريه التنظيري والتطبيقي في المدينة

قيام الدولة الاسلامية في المدينة المنورة، هذه الحقبة امتازت بأمر ألا وهو التأصيل والتفريع على مسارين مسار التنظير من جهة والتطبيق من جهة أخرى، خرج الانصار من المدينة الى اطرافها يعني من داخل المدينة الى اطرافها ليستقبلوا النبي (ص) ويدخل النبي (ص) المدينة، النبي (ص) دخل المدينة ودخل مكة، لكن هنالك مفارقة كبيرة بين الامرين؛ في مكة خرج النبي (ص) وعاد، وفي المدينة دخلها ولكن لم يتعقبها امر خروج من اجل امر آخر كما هو الحال بالنسبة لخروجه من مكة، في الحالة الاولى حالة التستر والابتعاد عن أعين قريش، الهمّ الأول ان يصل إلى المدينة وتصل معه الرسالة وصل إلى المدينة، أقام الدولة الاسلامية، ثم رجع إلى مكة، لكن رجوعه كان رجوع الفاتحين، رجوع الرحمة، رجوع السلام، رجوع المحبة، مكة التي جرعته الكثيرة من الغصص، مكة التي استأصلت أعمدة الدعوى الاسلامية والجماعة المؤمنة التي تشكلت منها النواة، في مكة المكرمة استأصلت على يد رجال هذه المدينة، لكنه دخل بروح الرحمة، بروح العفو، بروح الكرامة والتسامح وما اشدنا نحن في هذه الفترة الزمنية ان نعيش تلك الروح مهما كان بأيدينا من امور يمكن ان نراهن عليها لكن يبقى جانب الرحمة ينبغي ان يكون هو سيد الموقف. النبي (ص) في المدينة المنورة اصّل لكثير من ثوابت الدين الاسلامي، التأصيل لا يلبي جميع الحاجيات لتكثر المجتمع ولوعي المجتمع المدني، المجتمع المدني على درجة من الوعي اكبر مما كان عليه المجتمع المكي، المجتمع المكي بارع في ادبه، المجتمع المكي هو بارع في تعاطي المشهد التجاري المالي، لكن المجتمع المدني كان مجتمعاً يعيش حالةً من العلم والمعرفة ولديه حالة من الارتباط مع كثير من مواطن الارتكاز في شبه الجزيرة العربية بما تشغله ايضا من مساحات للأديان السماوية الثلاث، كانت المدينة المنورة حلقة وصل وتواصل مع ثلاث من اهم المناطق: نجران وهجر الأحساء والجوف في الشمال وكانت المدينة بمثابة القلب لوجود المكون اليهودي فيها وكلنا يعلم ما لليهود من ادارة المكون على هذا الكوكب منذ نبي الله موسى الكليم عليه وعلى نبينا محمد آلاف التحية والسلام.

التبليغ والدعوة الى‌ الاسلام بالحكمة والموعظة الحسنة

 النبي (ص) له مقاماته ولابد ان تأخذ هذه المقامات ايضا مساحاتها فتشكلت المربعات بناءاً على ذلك، المرحلة الاولى أو لنقل المقام الأول هو مقام التبليغ وهو الذي بُعث النبي (ص) بالرسالة على أن يكون البلاغ هو السلاح الاول لا كما يتصور البعض ان الاسلام انما شق طريقه بالسيف وانما ثبّت مبادئه بالسيف وانما وسّع رقعته بالسيف! النبي (ص) دخل الحروب لأنها فرضت عليه والا فهو لم يغزو ولم يدخل في سرية من اجل ان يثبت امرا معين وانما كانوا هم الذين يتحركون في هذا الاتجاه ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا[4] هكذا كان حالهم في المرحلة الاولى ما كانت الرغبة في الدخول في حرب، اراد النبي (ص) لهم الهداية، اراد لهم الرحمة، اراد لهم الكرامة والشرف والعفة، اراد لهم ان يكونوا اسياد العالم لكن بالحكمة، بالعلم، بالموعظة، بالأدب لا بالسيف وقطرات الدم، لكن الجماعة اجبروا النبي (ص) وعموم المسلمين على ان يدخلوا في تلك المساحات من الصراع التي كلفت الكثير بطبيعة الحال.

قيام الدولة وسن القوانين وبيان الأحكام الالهية

المرحلة الثانية قيام الدولة وسياسة الناس في المدينة المنورة استقر المربع الاول للنبي (ص) الدعوة بدأت تأخذ المساحات عن اليمين وعن الشمال لكن ثمة شيء مهم ألا وهو ربط الناس بالله سبحانه وتعالى، ربط الناس بمعاشهم وهذه الذي نحن قد نقع فيه أو وقعنا فيه ولا زلنا أيضاً نمارس ذلك الدور، البعض يتصور أن الانسان عندما يصبح مؤمنا فعليه أن يغادر جميع المساحات المرتبطة بالجانب المادي والدنيوي وهذا اشتباه كبير، بل على العكس من ذلك تماما، القرآن يؤصّل للعكس من ذلك فيقول: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا[5]، بل أكثر من ذلك العامل المادي في كل حركة اصلاحية سواءً كانت مضافة للسماء أو للأرض ما لم يكن العامل الاقتصادي في حالة من القوة والتماسك لا يمكن لهذه الرسالة سواءً كانت سماوية او وضعية ان تأخذ وضعها الطبيعي والمراد لها ان تصل اليه، اذن هذا العامل في المدينة المنورة أمّن للنبي (ص) تحت اكثر من عنوان وعنوان، هذه الدولة تستدعي شيء وهو بطبيعة الحال امر قاسي، القوانين هي اشبه بالقيود، فاذا كان المجتمع لا يعيش هذه الحالة من التقييد ويصطدم بشيء منها في قادم ايامه سوف تحصل حالة من التمرد، لذلك لاحظوا كثير من الاحكام الشرعية كانت مقسطة جاءت على فترات اشتدت في آخر مراحلها وربما لو كانت شديدة في المرحلة الاولى لما تم تقبلها ولما وصلت الى النتيجة المرجوة منها، لكن القرآن يتدخل ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ[6]، اذن انتهى كل شيء الاحكام التي صدرت من النبي (ص) تأخذ الجانب المولوي ولا يمكن لاحد ان يرفع اليد عنها: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا[7] هنا مساران ربما نستفيد منهما نحن اليوم: المسار الاول المسار الالهي في تشكيل الحكومة، المسار الثاني المسار البشري في تشكيل الحكومة، لا شك أن في زمن النبي (ص) المسار كان هو المسار الالهي، النبي (ص) مجري ومطبق لتلك الاوامر السماوية، لكن هنالك دول قامت لا علاقة لها بالسماء لا من قريب ولا من بعيد وانما قام بها اشخاص هم رأوا ان هذا المجتمع لا يمكن ان يسير الا بناءا على قيام دولة وحكومة تسيّر الأمور من حولها، القوانين الوضعية العامة اليوم تسيّر العالم، وحتى الدول التي تتصف بصفة الاسلام وهي مسلمة بطبيعة الحال الكثير من فقرات قوانينها هي فقرات مأخوذة من القوانين الوضعية ولا علاقة لها بالقانون الاسلامي لا من قريب ولا من بعيد، بعضها فيه شيء ومزيج، مثلا لا ننسى ان الاستعمار الإنجليزي والفرنسي كانت لهما اليد الطولى على المشهد لنقل في الشرق الاوسط الكبير، الشرق الاوسط حكمه قانون وضعي فرنسي وحكمه في الجهة الاخرى قانون وضعي انجليزي هذا القانون الى اليوم هو الذي يسيّر دفة القضاء في الكثير من الدول الاسلامية وحتى الدول التي تتصف بصفة الاسلام لم تتخلص من شوائب وبقايا تلك القوانين التي سنتها تلك الدول عندما كانت مستعمرةً لدول المنطقة بشكل عام سواء كان الاستعمار المباشر أو الاستعمار بالواسطة أو... بالتالي هذه التقسيمات الكثيرة الموجودة عندهم لكن بالنتيجة الذي يسوس هو هذا الجانب طبعا أجلى صفحة يمكن ان يقرأ منها حال النظام هو عبارة عن القانون يعني ما يتعلق بالقضاء والحكومة او الفصل والحكومة هذا الجانب هو الذي يبنى عليه وهو الذي يقرء من خلاله حقيقة المشهد.

مرحلة القضاء والفصل والحكومة بين الناس

ولذلك جاءت المرحلة الثالثة وهي مرحلة القضاء والفصل والحكومة بين الناس القرآن يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[8] المسلمون في المدينة المنورة كانت طاعتهم للنبي (ص) مطلقة حتى الذين اعلنوا التمرد على النبي (ص) لم يكونوا من اهل المدينة وانما كانوا من اهل مكة من المهاجرين، بل من شيوخ المهاجرين من مكة وهم الذين احدثوا ما احدثوا في المدنية المنورة وأما اهل المدينة فهم على الخلاف من ذلك تماماً، نعم قد يقول قائل: ان الانصار كانت لهم بعض خططهم، نعم كانت لهم الخطط التي كانوا يصبون اليها لكن كانت عندما وجدوا ان التحرك من وراء الكواليس بدأ في الطرف الآخر، فأرادوا ان يضمنوا حصتهم وهذا موجود في جميع الاحزاب والتشكلات الموجودة اليوم سواءً كان في ذلك الزمن او في هذا الزمن، لو ان الامور اجمعت لعلي (ع) بعد وفات النبي (ص) لما تحرك الانصار وكانوا قد وقفوا إلى جانب علي (ع) ولكن لما رأوا ان الامور انصرفت عن علي (ع) بالمطلق يعني بنسبة مائة بالمائة وان الامام علي (ع) لم يصبح اماما للمسلمين فبعد ذلك اليوم تحرك الانصار ورفعوا رايتهم مع سعد بن عبادة ومن كان معه، اليوم نحن اتباع مدرسة وهي مدرسة الاسلام، هذه المدرسة التي خلفها النبي (ص) انقسمت على نفسها: مدرسة عنونت بالسنة ومدرسة عنونت بالشيعة من ذلك اليوم إلى اليوم، طبعا السنة منقسمون الى مذاهب وكذلك الشيعة أيضا منقسمون على انفسهم من ذلك اليوم، السنة كانت لهم دول وحكمتها مذاهب، الشيعة أيضاً كانت لهم دول وحكمتها مذاهب، ثم بعد ذلك جاءت حركة التوجهات يعني في المذهب الواحد، لكن التوجهات متعددة والى يومنا هذا المشهد لا اعتقد انه يحتاج إلى الكثير من البيان، ومسار مدرسة اهل البيت عليهم السلام هو الذي يعنينا اكثر.

الولاية والحاكمية على الناس بعد النبي والمعصوم عليهم السلام عند الشيعة

القائلون بولاية الفقيه وأدلتهم

وهو عبارة عن ان الحاكمية بعد النبي (ص) والمعصوم (ع) لمن تكون؟ واضح أن النبي (ص) ارتحل إلى جوار ربه ووقع ما وقع، الخلافة الواقعية هي لأهل البيت عليهم السلام،‌ لكن الخلافة في الخارج انصرفت إلى غيرهم، جميع الأئمة عليهم السلام انتقلوا إلى جوار ربهم خلى الامام المهدي (ع)، الامام المهدي (ع) في عالم غيبة لابد وان يحكم الامة حاكم، من هو الحاكم؟ ايضا في مدرسة العامة الكلام عين الكلام، بالمناسبة نحن عندنا كلمة دائما نتحسس منها وهي كلمة «ولاية الفقيه» هذه الكلمة حتى السني يتحسس منها، لأنها تعني مشروع معين وكذلك الشيعي يتحسس منها، لأنها لا تتفق مع من يرجع اليه زيد وعمر من الناس، لأنها ليست من المجمع عليه، مسألة ولاية الفقيه من المسائل المختلف عليها بين علماء الامامية لذلك لها انصارها ولها ايضا المعارضون لها عبر مسيرة الاستنباط الموجودة بين علمائنا، فالولاية للفقيه الواحد مسار والولاية للفقهاء وليس للفقيه الواحد ايضا مسارٌ آخر، هذه النظرية أيها الاحبة يمثّلها حاكمية شورى الفقهاء، طبعا إمام هذه المدرسة (مدرسة ولاية الفقيه) هو السيد الامام رضوان الله تعالى عليه وهو الذي جمع بين التنظير والتطبيق فيها ووصل بالنظرية إلى ما وصل إليه، وهي تعتبر آخر تجربة خاضها اتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام في قيام الدولة تحت رأي الولي الفقيه، جماعة أخرى ومن نفس المكوّن الامامي لا تقبل بهذا المسار ولها مواقفها وعلى الانسان ان يقرأ وان يتابع حتى يتجاوز مرحلة التنظير. ايها الاحبة احيانا يجهد الباحث نفسه ويجمع الكثير من عناصر البحث في سبيل تأمين دليل على قضية في الخارج ولكن تموت تلك النظرية بموت ذلك الانسان الراعي لها، إما لأن التلامذة لا يتبنون ذلك الطرح من جهة او لأنها لم تجد المصداقية في الخارج لذلك تغيب تلك النظرية، ما وفق له السيد الامام (رضوان الله تعالى على روحه الطاهرة) هو انه نظّر وأمّن الدليل عليها اللفظي بطبيعة الحال، ثم استفاد من مجموعة من الروافد على نحو القرائن وغيرها من هنا او هناك ولكن عندما أقامها أو عندما جسّدها في الخارج اوجد حالة من صمام الامان لهذا الشیء، لذلك بات الحديث عن هذه المفردة حديث سهل ومرن وبعيد عن حالة الحساسية الا عند البعض من الناس.

القائلون بشورى الفقهاء وأدلتهم

الاتجاه الآخر قال بما ان النبي (ص) غير موجود وكذلك المعصوم (ع) غير موجود فلا يصح ان تكون الولاية‌ والسلطنة‌ للفقيه الواحد، لأنه قد يتفرد في الحكم ويكون هناك نظام ديكتاتوري، فتبقى الولاية للفقهاء بالمطلق وليس للفقيه بعينه، (طبعاً من هو الفقيه، صلاحيات الفقيه و... قد بيناها بشكل تفصيلي من خلال منبر جامع الامام الحسين (ع) انا اعطيت في اكثر من سنة ومن خلال منبر الجمعة بحث حول من هو الفقيه، تعريفه، الاصطلاح اللغوي، الاصطلاح الفقهي والشرعي وكلمات القوم فيه والرد وخلال فترة اكثر من سنة كل خطب الجمعة كانت مصبوبة في هذا الاتجاه وهو في نهاية المطاف في حالة جمع وترتيب وتصحيح ليخرج ان شاء الله بشكل كتاب مستقل في مستقبل من الايام)، قطب مدرسة شورى الولاية للفقهاء هو السيد محمد الشيرازي رحمة الله تعالى ‌عليه، السيد محمد الشيرازي هو ممن اعلن عدم القبول وبكل صراحة بالولاية للفقيه الواحد وكانت الخشية عنده ما ذكرناه حال ان هذا ايضا يمكن ان يرد عليه بأكثر من وجه ووجه لكن حفاظا على الوقت لا ندخل في مثل هذا البحث، فالسيد الشيرازي بدل ولاية الفقيه الواحد طرح شورى الفقهاء، قال مجموعة من الفقهاء هم الذين يديرون دفة امور الدولة في زمن الغيبة للإمام المهدي (ع)، ما هو الهدف؟ قال الهدف الاول هو أن هؤلاء الفقهاء تكون لهم السلطة على الفقيه اذا ما اراد ان يتفرد في القرار، فمنشأ التفرد يكون مقنن، الامر الثاني تقييد صلاحيات الفقيه اصلا قبل ان يتخذ القرار تقيد الصلاحيات له، فهذا من نتاج مدرسة شورى الفقهاء، الامر الثالث الاشراك الحتمي لبقية الفقهاء في صنع القرار واتخاذ الحكم (يعني ما يجري بين الناس).

القائلون بحصر حاكمية الحاكم الولي في حدود بلده

الامر الآخر والأخير هو حصر حاكمية الحاكم الولي في حدود بلده على ان لا يتجاوز ذلك إلى البلدان الأخرى وهنا مربط الفرس من هنا بدأ الخلاف الكبير بين انصار النظرية الاولى أي نظرية الولي الفقيه الواحد وبين انصار النظرية الثانية أي نظرية شورى الفقهاء.

القائلون بولاية الناس على‌ أنفسهم

 لكن هنالك ايضا ولاية أخرى وهي ولاية الناس على أنفسهم وهو مختار مجموعة من المجتهدين الذين رحل قسم منهم إلى جوار ربهم وقسم منهم يعيشون بين ظهرانينا في وسط هذه الامة وايضا هؤلاء يرون ان الولاية هي ولاية الناس على الناس، أي ان المؤمنون فيما بينهم الولاية لهم، فليست مختصة بشخص ـ مهما كان ذلك الشخص ـ دون شخص آخر، فلو تسيّد الموقف غير المعمم ايضا تكون الولاية له، طبعا هذه النظرية ليست ناضجة كما ينبغي، بل عليها الكثير من الاشكالات والتوجهات، بالنتيجة النبي (ص) لو خلي بينه وبين ان يكتب ذلك الكتاب لما احتجنا إلى ان نصل إلى هذه الحالة من التشرذم في المشهد الاسلامي مع شديد الاسف واليوم اصبح المشهد ايضا يتداعى في داخل المكون الشيعي وفي الدائرة الأضيق ولا ندري بعد غد ما عسى ان تكون الامور فيما هو اضيق من الضيق، وفقنا الله واياكم لكل خير، اعاد الله علينا وعليكم المناسبة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 [1] . طه: 25ـ28.[2] . الحج: 41.[3] . النصر: 2.[4] . الاحزاب: 39.[5] . القصص: 77.[6] . الاحزاب: 36.[7] . الاحزاب: 36.[8] . النساء: 65.
تعليقات الزوار